محمد جمال الدين القاسمي
72
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة . . ! وقد روي « 1 » فيمن حجّ ولم يرفث ولم يفسق أنّه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ! وذلك ، لأنّ الإقبال على اللّه تعالى بتلك الهيئة ، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع ، يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها . ويدخلها في حياة جديدة : لها فيها ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت . . ! وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وروى البخاريّ « 2 » عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن المتوكلون ! فإذا قدموا مكّة سألوا الناس ، فأنزل اللّه تعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى . أي : وتزوّدوا ما تتبلغون به وتكفّون به وجوهكم عن الناس ، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم . فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ، أي : الاتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم . . ! . وقال ابن عمر : إنّ من كرم الرجل طيب زاده في السفر . وكان يشترط على من صحبه الجودة . . نقله ابن كثير . ويقال : في معنى الآية : وتزودوا من التقوى للمعاد ، فإنّ الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا ، ولا بدّ فيه من زاد ، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب ؛ وسفر من الدنيا إلى الآخرة ، ولا بدّ فيه من زاد أيضا وهو تقوى اللّه ، والعمل بطاعته ، واتقاء المحظورات . . ! وهذه الزاد أفضل من الزاد الأول ، فإنّ زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها ، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة . . ! وفي هذا المعنى قال الأعشى : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا . . ! وثمّة وجه آخر : وهو أنّ قوله تعالى : وَتَزَوَّدُوا أمر باتخاذ الزاد هو طعام السفر ، وقوله فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى إرشاد إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المحصر ، 9 - باب قول الله تعالى : فَلا رَفَثَ حديث 810 . ومسلم في : الحج ، حديث 438 . ولفظ البخاريّ : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال : رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الحج ، 6 - باب قول اللّه تعالى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حديث 811 .